الجمعة، 16 يناير 2015

طفل استطاع تأسيس شركة ناجحة






في عام ،2006 وبعدما انتهى الحفل الذي أقامه سكوط نوفيس Scott Novis لابنه الصغير بمناسبة الذكرى الرابعة لميلاده، شعر الأب بعدم الرضا عن مستوى الترفيه في القاعة التي استأجرها، فلم يكن هناك من يراقب الأطفال وأين يذهبون، ولم تكن الألعاب الترفيهية بالتي تجذب الصغار وتمتعهم.
كان سكوط من العاملين في مجال برمجة وتصميم ألعاب الفيديو وكان ممن عملوا لدى شركة ديزني لألعاب الفيديو، وفوق ذلك فهو محب للألعاب الإلكترونية وعاشق لها.
عاد سكوط إلى بيته وقرر ابتكار حل لشعوره هذا، جاء في صورة سيارة شاحنة، أعاد تزينها من الداخل وجعلها صالة متنقلة تحمل شاشات تليفزيون عملاقة وحديثة، وتحوي أفضل الأجهزة الصوتية، وأشهر أجهزة ألعاب الفيديو (كونصول)، ليعلن عن مقدم أول شاحنة ألعاب فيديو تقبل حتى 16 لاعبا في وقت واحد، وتأسيس شركته GameTruck. لتعريف الناس بخدماته، قرر سكوط تنظيم حفل لذكرى ميلاد صديق له، ومن بعدها عرفه الناس ومن شاحنة إلى أكثر ومن بلد إلى أخرى. وأما أسعار خدماته في البداية فكانت 75 دولار للساعة الواحدة، أو 500 دولار ليوم بأكمله.

مؤخرا بلغ عدد الشاحنات 40 تعمل من خلال 20 موقعا داخل الأراضي الأمريكية، تحقق عوائد سنوية قدرها 2 مليون دولار وتوظف 12 عاملا. كل ما تحتاجه الشاحنة هو مكان لوقوفها، وعملاء ليتمتعوا بخدماتها، وهي أثبتت فعاليتها مع الأمهات الراغبات في إقامة حفلات لصغارهن، كما أن الألعاب الإلكترونية على متن هذه الشاحنات عادة ما تكون جماعية، حيث يلعب الجلوس ضد بعضهم البعض، وهو ما يزيد من جو المرح والمتعة.

رغم أنها قصة نجاح قصيرة، لكن تحمل معانٍ كثيرة. مرة أخرى نرى ناجحا واجه تجربة غير إيجابية، فانطلق ليستغل ذلك في صورة فكرة جديدة ذات مزايا إيجابية تعالج سلبيات التجربة الأولى. الميزة الثانية هي الفكرة، فبدلا من أن تؤسس محلك في موقع تغامر باختياره، ففي هذه الحالة نجد الشاحنة قادرة على التنقل والسفر إلى حيث العملاء والمبيعات. الميزة الكبيرة والتي بسببها اخترت لكم هذه القصة، هو القدرة على تنفيذ هذه الفكرة في نواح أخرى من الأعمال.


على سبيل المثال، من ضمن التطبيقات الفعلية لهذه الفكرة في مصر هي المكتبات والعيادات المتنقلة، وكذلك شاحنات المعازف وآلات الموسيقى لإقامة الأفراح، وغير ذلك. السؤال الآن هو، كيف يمكن الاستفادة من هذه الفكرة في مشروع جماعي لقراء المدونة، يتفاعل فيه كل قارئ قدر استطاعته، هذا بالفكرة وهذا بالتسويق وهذا بالمبيعات، حتى نرى انتقالا من مجرد القراءة والإعجاب، إلى التطبيق والاستفادة.


بقلم رؤوف شبابيك

مطاردة شرطي - نجحت الخطة




لا يختلف الشرطي الأمريكي الأسمر وين بيرتون Wayne Barton من الخارج عن أي شرطي مفتول العضلات تراه أمامك، ذلك لأن اختلافه يأتي من داخله، نابعا من قلبه الكبير.

 حين بدأ عمله كشرطي في عام 1980، فإنه تدرج من العمل على ظهر دراجة بخارية يجوب بها شوارع مدينة بوكا راتون Boca Ratonبولاية فلوريدا، إلى العمل في قسم مكافحة المخدرات، حيث شاهد كيف حكم تجار الموت شوارع المدينة وأحيائها وأكثروا فيها الفساد.

خلال عمله في عام 1985 تلقى بيرتون عدة شكاوى من قاطني حي ما أن الشرطة ترفض الاستجابة لبلاغات أهل هذا الحي من كثرة مشاكله والعنف المتفشي بين أرجائه.
بحث بيرتون في الأمر فوجد أن هذا الحي يعاني من قلة الاهتمام به والرعاية، ومن انتشار الجريمة في شوارعه، ومن فقدان ساكنيه لافتخارهم بالسكن في حي مثل هذا الحي.

 نظر بيرتون ما الذي يمكن له أن يقدمه لأهل هذا الحي، فلم يجد سوى نفسه، ولذا قرر تنظيم حفل شواء في حديقة الحي، دعا إليها من يريد الحضور، شريطة أن يساهم في بعض أعمال النظافة، وفي تنظيف الحديقة بعد هذا الحفل.

جاءت الوجبة المجانية بمفعول السحر، إذ حضر 190 مدعوا ليذوقوا كرم بيرتون، ولم يكن عليهم سوى تنظيف الحي، فرفعوا هياكل السيارات القديمة من الشوارع، وقصوا الحشائش العشوائية، ودهنوا الأسوار التي علتها الدهانات والألوان الفجة.

 لم يقف بيرتون عند هذا الحد، إذ بدأ يدق أبواب سكان الحي، وبدأ يسأل عما ينقصهم، فهذا البيت اشترى له مستلزمات المدارس، وهذا أعطاه بعض النقود، وهذا ذهب مع أهله للمتجر لشراء بعض البقالة… كل هذا من ماله ووقته الخاص!!

بعد تنظيف قمامة الشوارع، جاء وقت تنظيف قمامة البشر، حيث عمد بيرتون إلى مطاردة تجار المخدرات النشيطين في هذا الحي، لكن هؤلاء التجار كانوا الآباء والإخوان والأولاد لسكان هذا الحي، الأمر الذي أكسب بيرتون عداوة أهل الحي، حتى أنه تلقى تهديدات بالقتل، وزج في السجن برجل شرع فعل في محاولة قتله، وبدأت عبارات التهديد والوعيد له تكتب على حوائط طرقات الحي.

كاد كل ما قدمه يضيع هباء، لولا اجتماع مع سكان الحي حضره بيرتون، وشهد تعالي أصوات الحضور الغاضبة منه والراغبة في إبعاده، حتى تقدمت سيدة من الحضور وطلبت الكلمة، وحكت قصتها، التي تمحورت حول قدرتها الآن على الخروج من باب بيتها إلى الشارع دون خوف، وكيف أنها لم تعد تنام على الأرض اتقاء لشر طلقة رصاصة عابرة من جيران الشر، وأنها بدأت تعرف معنى الأمان في منزلها، وكل هذا بفضل هذا الرجل، الذي زج بالمجرمين خلف القضبان، وأبدل جحيم الحي الذي تسكنه مكانا يمكن العيش فيه بسلام وعزة نفس.


هذه الكلمة شجعت آخرين ليتقدموا ويحكوا قصصا مماثلة، وبدأت روح العداء تتبدل إلى نظرة امتنان وعرفان، الأمر الذي ساعد بيرتون على تنفيذ بقية خططه، مثل افتتاح مركز الشرطة الذي يعمل فيه لمركز تدريب لصغار الحي يُلقي دروس العلم فيه متطوعون لمساعدة تلاميذ الحي على استذكار دروسهم، وبعدها افتتحوا معمل حواسيب / كمبيوترات، وأقاموا ندوات للآباء لمساعدتهم على التعلم ونيل الشهادات ليزيدوا فرصهم في الحصول على وظائف أفضل مما في عالم الجريمة.


كان كلما عانى أهل الحي من مشكلة تقدم بيرتون لمحاولة حلها، وبعد مرور عام، تغيرت الصورة تماما، فما أن تظهر الشرطة في الحي حتى يحيها السكان بالامتنان، وبدأ أهل الحي يهتمون به وساعدوا الشرطة على القبض على فلول المجرمين الرافضين للتغيير. بعد قضائه 20 عاما في الخدمة، تقاعد بيرتون وبمساعدة رجال أعمال أسس مؤسسة لمساعدة الناس لكي يساعدوا غيرهم، وتولى رعاية التلاميذ ومكافأتهم على نبوغهم العلمي، وبدأ يعد البرامج التعليمية والثقافية لهم، وأرسل العديد منهم للجامعات، وأعد كذلك برامج تغذية لتوصيل الطعام إلى غير القدرين على شرائه…

لا يختلف بيرتون عن أي شخص عادي، ولم يحصل على دعم مالي خارجي، اللهم إلا راتبه، ولم ينتظر الحكومة ولا الوزير، بل قضى وقته في مساعدة من حوله.كل هذا الخير كان لا بد وأن يجلب له التقدير والاهتمام، وهو ما حدث له بعدها.


حل مشاكلنا يكمن دائما فينا، أن نبحث نحن عن حل يمكن تطبيقه، وأن نعتمد على الناس، وعلى مبدأ التطوع…
.
يقول فيكتور هوجو:
حين تبني مدرسة، فإنك تهدم سجنا.
He who opens a school door, closes a prison. Victor Hugo





بقلم رؤوف شبابيك

مخترع الكاميرا - قصة نجاح شركة كوداك



عند الحديث عن الكاميرات، فلا بد من ذكر الحسن بن الهيثم، الذي دخل السجن / الحبس / الإقامة الجبرية في زمن الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي، لأكثر من 10-12 سنة، وهناك واصل دراسته لسلوك الضوء وانعكاسه، ولاحظ في سجنه مرور الضوء من ثقب في باب الزنزانة، ساقطا على الجدار المقابل راسما صورة غير واضحة، بالتدقيق فيها وجدها صورة الأجسام الموجودة خارج باب زنزانته المظلمة.



هذا الاكتشاف سجله الحسن بدقة ودرسه وبحثه ونقحه، ووضعه في كتاب سماه المناظر، أوضح فيه أنه وجد أن الحجرة المظلمة ذات الفتحة الدائرية مثل القمر (القمرة) تعكس داخلها الصورة التي أمامها، وكلما ضاقت هذه الفتحة / القمرة، زادت دقة الصورة المعروضة داخلها، هذا الاكتشاف مهد الطريق لاختراع الكاميرا كما نعرفها اليوم.


قصة الحسن بن الهيثم لهي قصة نجاح في حد ذاتها، فلم يوقفه السجن عن تحقيق هدفه في دراسة علم البصريات والخروج منه بالجديد والمفيد، ولم يتقبل علوم من قبله دون نقد وبحث، ولم يخش المجيء بنظريات تعارض من قبله، وأثبتها بالحقائق العلمية. بعد هذه المقدمة الجميلة، ندلف معا إلى قصة جورج إيستمان.

أبصرت عيناه النور في 12 يوليو 1854 في قرية ووترفيل، القريبة من مدينة نيويورك الأمريكية، ليكون جورج الابن الثالث لأب ناجح بشكل مقبول في عالم التجارة، صاحب دار حضانة أطفال. وعندما بلغ جورج الخامسة من عمره، باع أبوه دار الحضانة وانتقل بعائلته إلى خارج مدينة روشستر حيث افتتح كلية إيستمان التجارية، ولكن بعدها بعامين توفى والده، وبرحيله بلغت الكلية نهايتها وأغلقت أبوابها.


بعد موته، وجدت العائلة نفسها على حافة الإفلاس، واضطرت الأم لتأجير غرف من البيت للنزلاء والمسافرين، وأدرك الصغير حقيقة الحالة المالية للأسرة، ولم يرض أبدأ عن قيام أمه بالتنظيف والطهي للنزلاء الغرباء، وقرر أن يفعل شيئا ليغني أمه عن كل ذلك. لم يبل جورج جيدا في المدرسة، وحكم القائمون عليها بأنه ليس موهوبا بما يكفي للتعلم، ولذا لم يتردد كثيرا في هجران مقاعد الدراسة والتقدم لشغل وظيفة مرسال في شركة تأمين، مقابل ثلاثة دولارات في الأسبوع.


بعدها انتقل جورج إلى شركة تأمين أخرى وظفته مقابل خمسة دولارات في الأسبوع ومقابل مهام أكثر أهمية. لم تكن هذه الدولارات بالثروة الكبيرة، لكنها كانت تكفي لتساهم في مصاريف ونفقات أسرته، ولذا اجتهد ليدرس في المساء قواعد المحاسبة أملا في العثور على وظيفة أفضل. في هذه الأثناء، خسر جورج أخته كاتي التي توفت عن عمر 16 ربيعا، بعد معاناة مع مرض شلل الأطفال. 





بعد مرور خمس سنوات على عمله في شركة التأمين، حصل جورج على وظيفة كاتب حسابات في بنك روشستر، مع راتب قدره 15 دولار في الأسبوع، وهنا حين بدأ جورج يفكر في أنه يستحق أخذ فترة إجازة من العمل، وكان يريد زيارة العاصمة سانتو دومينجو (تقع في الدومينيكان ضمن جزر الكاريبي) ثم اقترح عليه زميله في العمل أن يوثق رحلته هذه بالصور الفوتوغرافية. هذه النصيحة قلبت خطة جورج رأسا على عقب، إذ اقتنع بها، وبدأ يشتري ما يلزم للتصوير الفوتوغرافي في زمنه: صندوق كبير، حامل معدني ضخم ثلاثي الأرجل، حامل ألواح كبير، خيمة سوداء صغيرة، وعاء لوضع الماء لعمل حمام نترات.



ليعرف كيف يستخدم هذه الأشياء الكثيرة،  اضطر جورج لنقد مصور محترف 5 دولارات ليعلمه كيف تعمل هذه الأشياء.

بعدما تعلم جورج كيف يلتقط الصور وكيف يطبعها ويظهرها، أيقن في قرارة نفسه أنه هناك حتما طريقة أسهل لالتقاط الصور، ولذا أنطلق ليعثر عليها! الطريف أن جورج لم يذهب في رحلته بعد كل هذه المشتريات، لكنه تحول هاويا شغوفا، عاقد العزم على تبسيط عملية التصوير الفوتوغرافي. في النهار كان جورج رجلا مصرفيا، وفي الليل هاوي تصوير فوتوغرافي، يقرأ ويطالع كل ما يقع تحت يديه من كتب تتحدث عن الفوتوغرافيا.

من ضمن ما قرأه جورج كانت مقالة عن طريقة تصوير سهلة يستعملها المصورون في إنجلترا، اعتمدت على التصوير الجاف، في حين كان التصوير في أمريكا قائما على الألواح المبللة. كانت الطريقة الانجليزية أسهل وأسرع من تلك الأمريكية، ولذا أضاء مصباح الأفكار العبقرية لدى جورج وعكف على مر أيام طويلة وليال كثيرة، في تجربة تركيبات كيماوية كثيرة، تحقق له التصوير الفوتوغرافي باستخدام الألواح الجافة، في كنف مطبخ بيته، حتى أنه كثيرا ما كان ينام على أرضية المطبخ من شدة التعب والإرهاق.

بعد مجهود شاق استمر على مدى ثلاث سنوات، توصل جورج إلى تركيبة كيماوية حققت له ما أراد، وكذلك إلى ماكينة تصنع له هذه الألواح الجافة بكميات كبيرة. بدأ جورج يفكر كيف يمكنه استغلال اكتشافه هذا على نطاق تجاري، حتى جاء يوم رفض البنك الذي يعمل فيه جورج ترقيته كما كان يستحق، ولذا سارع بتقديم استقالته واستأجر طابقا بأكمله في مبنى ليكون مقر شركته الجديدة، وهناك حيث بدأ في تصنيع ألواحه الجافة.

 لم تكن البداية وردية، إذ اشتكي الكثيرون من فساد تلك الألواح الجافة وعدم عملها وفق المتوقع منها، الأمر الذي اضطر معه جورج إلى استبدالها أو إعادة ثمنها. كانت هذه الخطوة مكلفة للغاية، لكنها أثبتت أنها استثمار جيد، إذ أن هذه الخطوة ساهمت في بناء الاسم التجاري الشهير لشركته والسمعة الطيبة.



عد هذه البداية الصعبة، بدأت الأمور تسير كما المراد لها، حتى جاء عام 1880 وقد أصبح قوام الشركة 6 موظفين بالإضافة إلى جورج، أنتجوا أكثر من 4 آلاف لوح تصوير جاف في السنة. كانت عوائد الشركة تأتي من تظهير الصور الملتقطة على الألواح الجافة التي يبيعها جورج (أو ما اصطلح على تسميته الأفلام فيما بعد).

مع هذا النجاح جاء المنافسون واستعرت المنافسة، الأمر الذي دفع جورج للتفكير في تقديم المزيد من الجديد، وكان باكورة أفكاره هذه أول كاميرا تصوير من إنتاج شركته في عام 1888 واختار لها اسم كوداك.



كان جورج أول من فكر في لف الأفلام بشكل دائري حول عامود يسمح للفيلم بالحركة الانسيابية. (ليس هناك قصة وراء اختيار اسم كوداك، فهو قرار جاء في لحظة صفاء نفسي، من رجل يحب حرف K، وأراد اختيار اسم يبدأ وينتهي بهذا الحرف!).

كانت الكاميرا صغيرة الحجم بمعايير تلك الأيام، تكفي لالتقاط 100 صورة، وكانت نقلة نوعية في عالم التصوير الفوتوغرافي، وبيع منها أكثر من 73 ألف وحدة على الرغم من سعر بيعها الباهظ – 25 دولار أمريكي!

كانت آلية العمل أن يشتري العميل الكاميرا، ثم يلتقط ما حلا له من صور، ثم يعيدها إلى جورج لكي يظهر ويطبع له هذه الصور، ومعها الكاميرا وبداخلها فيلم جديد لاستعمالها مرة أخرى. مضت الأمور على ما يرام حتى مقدم عام 1893 والذي شهد انتكاسة للاقتصاد الأمريكي، كما رحل أفضل خبير كيمائي لدى جورج لكي يؤسس شركته الخاصة به، لكن جورج تمكن من العثور على بديل له أفضل منه، ساعده على اختراع فيلم تصوير فوتوغرافي أفضل ساعد الشركة على الاستمرار في العمل.

كان التصوير الفوتوغرافي وقتها حديث عهد بعامة الناس، لكن كوداك أنفقت بسخاء في مجال الإعلانات لنشر هذا الأمر الجديد، وكانت أشهر دعايات كوداك: أنت اضغط الزر، واترك البقية علينا أو  You press the button, we do the rest. بعدها
أطلقت الشركة كاميرا صغيرة موجهة للصغار أسمتها براوني، سعرها دولار واحد، وبدأت الشركة تدخل معترك صناعة التصوير السينمائي، واستمرت تعزف معزوفة الأرباح.

للأسف الشديد، لم تمض حياة جورج ناجحة، فرغم أنه اشتهر بالأعمال الخيرية الكثيرة والتبرعات السخية، إلا أنه تقاعد في عام 1925 من إدارة شركته، وسقط فريسة لمرض عضال في عموده الفقري، منعه من الحركة ومن السير، الأمر الذي نال منه بشدة، جعله ينهي حياته وعمره 77 سنة برصاصة أطلقها على قلبه، تاركا رسالة انتحار مفادها: لقد انتهى عملي فلمَ الانتظار.


على الجانب:
* طبعا الانتحار وسيلة من وسائل الهروب من المشاكل، مرفوضة في الدين، لا تأتي بأي خير. ذكري لها هنا لأنها حقيقة في قصة الرجل، لكنها كذلك سقطة لا تقلل من كفاحه ونجاحه، ولعل مرضه الأخير نال من عقله فجعله يقدم على خطوة بائسة مثل هذه!




بقلم رؤوف شبابيك

قصة الطبيب ذي أصابع القدم في اليد







 كانت للطبيب فرانسيسكو Francisco Bucio الشاب ذي السبعة والعشرين أحلاما كبيرة، إذ كان على وشك تحقيق حلمه بممارسة الطب ومهنة الجراحة، على أنه في شهر سبتمبر من عام ١٩٨٥، وبينما هو في الدور الخامس من مستشفى مكسيكو سيتي، وقع الزلزال المدمر الذي حصد آلاف الأرواح، وترك الطبيب الشاب تحت ركام أدوار خمسة من مبنى المستشفي الذي كان.

في ظلام دامس، يسوده أنين الجرحى و وزفرات الموتي من حوله، تلمس فرانسيسكو جسده فوجد يده اليمنى محشورة تحت عامود خراساني جعل من المستحيل تحريكها… بحكم عمله، علم فرانسيسكو أن عدم وصول الدم إلى اليد نهايته فسادها وتوجب بترها، وهذا البتر يعني ضمن ما يعنيه نهاية أحلامه في مجال الطب والجراحة.


على مر أيام أربعة، ذهب فيها فرانسيسكو في رحلات ما بين اليقظة وفقدان الوعي، وبين الفزع وبين الخوف على يده المحشورة. خارج كومة الركام كانت فرق الإنقاذ تعمل ليل نهار، وكذلك والد فرانسيسكو وإخوته، الذين لم يفقدوا الأمل في العثور على فرانسيسكو حيا، وهو ما تحقق لهم بعد أيام متواصلة من البحث والتنقيب وسط الركام ورفع الأنقاض.

 ولم يفسد فرحة العثور على الطبيب الشاب حيا سوى إجماع فريق الإنقاذ على توجب بتر اليد اليمنى لإخراجه من تحت الركام.
علمًَا منهم بقوة أحلام ابنهم الذي يريد أن يكون جراحا، رفض ذوو فرانسيسكو هذا الاقتراح، الأمر الذي دفع فرق الإنقاذ للعمل لساعات على رفع العامود الخراساني الذي حبس اليد اليمنى تحته. بعد تحرير اليد اليمنى، والإسراع به إلى المستشفى، لم يكن الحال بأفضل مما اقترحه فريق الإنقاذ.
 انحباس الدم جعل أعصاب اليد تموت فلا تنمو، وجعل بتر الأصابع الأربعة من اليمنى أمر لا جدال فيه للحفاظ على سلامة بقية الجسد، وهو ما كان…

بعدما فاق من عملياته الجراحية في يده، أحصى فرانسيسكو خسائره، وبدأ يفكر كيف يعوض ما فقده. كيف يمكن له أن يكون جراحا بيد واحدة؟ قاده تفكيره للعثور على طبيب آخر متخصص في نقل أصابع القدم لزرعها في اليد، لعلاج من هم في مثل حال فرانسيسكو، وهو ما كان، حيث نقل له إصبعين من قدمه إلى يده اليمنى، بعد عملية جراحية جمعت ثمانية من الجراحين، امتدت على مد 14 ساعة، وجرت تحت مناظير الميكروسكوب، لوصل الأعصاب والأوردة والشرايين.

كانت هذه مجرد البداية، إذ تطلب الأمر تدريب الجسم والعقل والعين واليد على هذا التغيير غير الطبيعي. كان لزاما على فرانسيسكو عمل تدريبات طويلة ومؤلمة، وفي أغلب الأحيان غير ناجحة، على استعمال أصابعه الجديدة. كان مجرد مسك القلم وفك الأزرار عملية مؤلمة وطويلة وغير دقيقة، لكن بعد مرور شهر ونصف على العلمية الجراحية الطويلة، تمكن فرانسيسكو من توقيع اسمه بيده اليمنى.

بعدها بدأ في زيادة الحمل التدريبي، إلى تقطيع الخضروات والفاكهة والحياكة والكتابة. طوال هذا الوقت كان يقول لنفسه إن اليد مجهزة للتكيف مع كل ما يطلب منها، لولا أن ذلك يتطلب تدريبا طويلا جدا، وصبرا عميقا لا ينفد، وروح معنوية عالية لا تخمد..

بعد مرور بعض الوقت، وبعد تحقيق بعض النتائج الطيبة في تدريباته، عاد فرانسيسكو إلى مكسيكو سيتي، إلى ذات المستشفى التي خسر فيها أصابعه، وبدأ يزاول ما كان متاحا من تعلم الطب وممارسته. كان ما يقدمه الصغير والقليل من مهام الطب ، وكانت بدايته مع تنظيف الجروح وتضميدها، وكان يدرب نفسه دون تكاسل على التعامل مع أدوات الطب وخياطة الجروح.

في خضم كل هذا، راقبه من بعيد طبيب مقيم في المستشفى، حتى سأله ذات يوم إن كان يريد مساعدته في عملية جراحية سيجريها على مريض، وكان ظن فرانسيسكو أن الأمر سيقف عند التضميد والتنظيف وغلق الجرح، لكن الطبيب المقيم بدأ في عمله، ثم توقف في منتصفه، ثم نظر إلى فرانسيسكو وقال له: أكمل أنت النصف الثاني من الجراحة.

كانت المفاجأة قوية، لكن فرانسيسكو لم يكن ليفوتها أو يفسدها، ولذا جاهد على مد ساعة لينفذ المطلوب، على الرغم من أن أي طبيب آخر كان ليحتاج ١٠ دقائق فقط لينهي المطلوب، لكن هذه الساعة أعلنت عن قدرات هذا الجراح الذي أطلق عليه البعض الطبيب الذي يجري العلميات الجراحية بقدمه، وهو لا يبالي بهذه التسمية، إذ تحمل في طياتها بعضا من الحقيقة.


بعدها تكرر الأمر وقل الوقت المطلوب للانتهاء من المهام الجراحية، وتخصص فرانسيسكو في الجراحات التجميلية التعويضية، وانتقل للعمل في المكسيك، ويقول فرانسيسكو عن عمله بأنه خاص عمليات جراحية شاقة، وبالتالي فهو يعرف جيدا الخوف الذي يعتري كل مريض يمر بالموقف ذاته.


دروس وعبر:
طالما هناك رغبة قوية، فهناك حل ممكن.
من رحمة الله، أنه إذا كانت المصيبة جلل، كانت رحمة الله أكبر منها، لكنها لا تأتي بدون مشقات ومصاعب.
إذا وجدت مجتهدا، أعطه الفرصة. لا تكن واحد بدون منافس. اصنع منافسين لك. أعط غيرك الفرصة ليثبت نفسه.





بقلم رؤوف شبابيك

قصة المليونير ابن غاسلت الصحون !




في أغلب قصص النجاح التي قرأناها، ستجد لبطلها حلم يتمسك به بكل قوة، يبذل لتحقيقه الغالي والنفيس.
في المقابل ستجد الحياة ترميه بكل ما لديها من مشاكل وصعاب، وتضع في طريقه من يؤكد له أن حلمه هذا ضربا من الخيال ولن يتحقق، وربما بعض الأعداء وسارقي الأحلام. لا جديد في كل ما سبق، أو في قصة روبرت لي دنهام، الأمريكي الأسمر الذي وعد أمه صغيرا وعدا فأوفى به.

جاء ميلاده في سبتمبر 1932 وانتقل صغيرا مع عائلته إلى مدينة نيويورك، وحين أتم دراسته الثانوية ألتحق بسلاح الطيران الأمريكي، ثم عاد إلى حي بروكلين ليلتحق بقسم شرطة المدينة. في صغره، وحين كان رفاقه يلعبون في الأزقة، كان روبرت يشغل نفسه بالبحث عن زجاجات اللبن الفارغة الملقاة في الطرقات ومستودعات المخلفات، ليعيدها إلى المتاجر في مقابل مالي زهيد. كذلك كان يعمل في تلميع أحذية المارة، وكان يعمل في توصيل الجرائد وطلبات محلات البقالة.

عملت أمه في غسل الملابس للآخرين كمصدر لدخل الأسرة، وحين كان يرى تعبها وعدها بأنه يوما سيكون لديه عمله التجاري الناجح مما سيغنيها عن هذا العمل المضني، لكن حتى والدته كانت تزجره وتذكره بدروسه، فقبله لم يحصل أحد من رجال العائلة على وظيفة أفضل من عامل يدوي أجير، ولذا كانت تعيد على مسامعه أنه لن يقدر يوما على فتح عمله التجاري الخاص.

ويبقى التعليم الجامعي غالي الثمن، ولذا لم يتوانى روبرت بعد إنهاء تعليمه الثانوي عن الالتحاق بسلاح الطيران الأمريكي، وفيه حيث تعلم طهي الطعام للضباط، وفيه أيضا حيث أدرك أنه يريد فتح مطعمه الخاص. هذا الإدراك ترسخ لديه بعدما ترك سلاح الطيران ليعمل على مر سنوات أربع في عديد من المطاعم والفنادق، وحين فكر في افتتاح مطعمه الخاص، عرف قبلها أن عليه تعلم بعض أساسيات إدارة الأعمال، ولذا سجل في مدرسة أعمال ذات دروس ليلية، لتمويل مصاريفها تقدم للعمل في شرطة نيويورك.


على مر 15 سنة، كان روبرت يعمل نهار في الشرطة، ومساء يعمل في وظيفة جانبية كنجار، مع حرصه على حضور دروس مدرسة الأعمال.

 كما يقول روبرت بنفسه، فلقد قضى 10 سنوات من عمله في الشرطة دون أن ينفق فلسا ولا مليما على الترفيه، لا سينما أو سفر في إجازة أو رحلات، كانت حياته عمل ودراسة وادخار، حتى جاء عام 1971 وفي رصيده مبلغ 42 ألف دولار. لقد سيطر حلمه عليه، وكان لتحقيق هذا الحلم شروط، منها رأس المال ومنها العلم.

لقد كان هذا العام وقت تنفيذ حلمه: افتتاح مطعم في حي بروكلين، لكن ما أدخره لم يكن كافيا، وحين دق أبواب البنوك طلبا للقرض، رفضوه. والحال كذلك، قرر روبرت تجربة دق أبواب تلك السلسلة الناشئة من مطاعم الوجبات السريعة، والتي حملت اسم ماكدونالدز، لكن حتى هؤلاء، كانوا مستعدين للتعاون معه على شرط، أن يفتتح مطعما داخل مدينة نيويورك، إذ إنه في هذا الوقت من التاريخ، لم يسبق لمحل من محلات ماكدونالدز أن فتح أبوابه هناك.

ليس هذا وحسب، كان على روبرت توفير مبلغ 150 ألف دولار فوق مدخراته لافتتاح هذا المطعم، وهو ما فعله بعد تفكير عميق، هداه إلى أنه قد أنفق من حياته وعمره، وتعلم بالتجربة وفي المدرسة، ما يؤهله لتجربة تنفيذ حلمه. فوق أن معظم أصدقائه حذروه من مغبة هذه الخطوة الخطيرة، فالمطعم يقع في حي هارلم الذي اشتهر بالعنف والإجرام الشديد.

رغم كل شيء، تمكن روبرت من اقتراض المال وافتتح الفرع الأول لمطاعم ماكدونالدز في حي هارلم في نيويورك. كانت الشهور الأولى كارثة كبرى، إذ شهد المطعم معارك بين عصابات المنطقة، وحوادث إطلاق نار، وسرقات، الأمر الذي طرد عملاء المطعم، كما أن العاملين معه كانوا يسرقون منه. بل إنه حين طلب روبرت من إدارة ماكدونالد مد يد العون، رفضوا حتى الذهاب إلى مطعمه، خوفا من دخول هذا الحي الفقير العنيف المخيف.

جلس روبرت ليفكر فيما زج بنفسه فيه، على أن وفائه لحلمه منعه من الاستسلام، ولذا قرر إيجاد حلول لمشاكله، بداية من انتشار الجريمة بين الشباب والصغار من أبناء الحي، وفكر كيف يستبدل العنف والجريمة لدى هؤلاء الشباب بشيء آخر، وبدأ بأن تحدث مع هؤلاء الخارجين عن القانون، وتحداهم ليصلحوا من حالهم ويعملوا من أجل مستقبل أفضل لهم، وساعدهم بأن عرض توظيف هؤلاء ‘المجرمين’ ليعملوا في مطعمه، من جهة أخرى، طبق روبرت نظاما أكثر صرامة لمراقبة صناديق إيداع المال، ليوقف السرقات الداخلية.
 على صعيد معاملة الزبائن، كان روبرت يعطي بنفسه للعاملين معه دروسا أسبوعية في كيفية معاملة العملاء والزبائن وخدمتهم.

لخدمة المجتمع من حوله، قدم روبرت رعاية مالية للفرق الرياضية وقدم منحا دراسية للشباب الصغير ليذهب إلى مقاعد الدراسة، وبمرور الوقت، تحسنت الظروف حتى أصبح هذا المطعم أكثر مطاعم ماكدونالدز ربحا، يحقق أكثر من مليون ونصف دولار في العام.
 بعدما كان العاملون في ماكدونالدز يخشون زيارته، ذهب راي كروك، أكبر مدير في ماكدونالدز، بنفسه ليشاهد بعينه هذا النجاح، ومضى روبرت ليفتتح المزيد من المطاعم ويوظف المزيد من العاملين. من الجهة الأخرى، لم تعد والدة روبرت بحاجة لغسل أي شيء، فلقد بر بقسمه لها!

في شهر مايو 2011 الماضي، كانت نهاية حياة هذا الحالم الأسمر. لدى ماكدونالدز اليوم أكبر عدد من مطاعمها في مدينة أمريكية في نيويورك.





بقلم رؤوف شبابيك

الخميس، 15 يناير 2015

قصة تأسيس مطاعم ماكدونادز


سوف نتحدث اليوم عن قصة صانع نجاح سلسلة محلات ماكدونالدز، الأمريكي رايموند (راي) كروك Ray Krocالذي جاء مولده في عام 1902 في شيكاجو بولاية إلينوي، ولأنه كان يفضل العيش في أحلامه لا قراءة الكتب والاهتمام بدروسه، فلم يكن غريبا عليه هجرانه لمقاعد الدراسة في المرحلة الثانوية.

 حين بلغ 15 سنة، كانت الحرب العالمية الأولى مشتعلة، ولم يجد راي سوى أن يكذب بخصوص سنه الحقيقي لكي يحصل على وظيفة سائق سيارة إسعاف حربية، لكنه حين ذهب فعليا ليحصل على تدريبه لهذه الوظيفة، انتهت الحرب وعاد خالي الوفاض. مستمرا في رحلة البحث عن وظيفة أو عمل، بدأ راي تنمية مهاراته في العزف على البيانو، حتى حصل على وظيفة عازف في إذاعة راديو محلية جعلته يعزف ليلا.


وأما أثناء النهار، فحصل راي على وظيفة بائع أكواب ورقية في شركة ليلي تيوليب كب، وفيها حيث أثبت كفاءة بارعة ورغبة عارمة في العمل بجهد حتى أصبح أفضل بائع في الشركة، وهناك تعرف على إيرل برينس، تاجر وعصامي ناجح، اخترع آلة لصب المشروبات ومزجها معا، وسجل اختراعه هذا وبدأ يبيعه في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية.

 وعمره 37 سنة، أقنع بطلنا راي صديقه إيرل أن يبيعه حقوق استغلال منتجه هذا، ليستقيل راي بعدها من عمله، ويقضي 17 عاما من عمره بعدها في بيع الأكواب الورقية وآلة صب المشروبات هذه، في مختلف ربوع الولايات الأمريكية.

 

 

عمل في الليل وفي النهار

مستمرا في رحلة البحث عن وظيفة أو عمل، بدأ راي تنمية مهاراته في العزف على البيانو، حتى حصل على وظيفة عازف في إذاعة راديو محلية جعلته يعزف ليلا. وأما أثناء النهار، فحصل راي على وظيفة بائع أكواب ورقية في شركة ليلي تيوليب كب، حيث أثبت كفاءة بارعة ورغبة عارمة في العمل بجهد حتى أصبح أفضل بائع في الشركة، وهناك تعرف على إيرل برينس، تاجر ومخترع وعصامي ناجح، اخترع آلة صب المشروبات ومزجها معا، وسجل اختراعه هذا وبدأ يبيعه في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية.

 وعمره 37 سنة، أقنع راي إيرل أن يبيعه حقوق استغلال منتجه هذا، واستقال راي بعدها من عمله، ليقضي 17 عاما بعدها في بيع الأكواب الورقية وآلة صب المشروبات هذه، في مختلف ربوع الولايات الأمريكية.

 

 

باب ينغلق لينفتح آخر

بعدها بدأ راي يعاني من تراجع مستمر في مبيعاته، إذ بدأ الناس يزهدون في المشروبات التي تخرج من ماكيناته، رغم ذلك لاحظ راي أن الأخوين ديك (ريتشارد) و ماك (موريس) ماكدونالد هما من أكبر عملائه المستمرين في الشراء منه، خاصة حين طلبا شراء ثمان ماكينات صب المشروبات دفعة واحدة من أجل سلسلة مطاعمهما في كاليفورنيا الأمر الذي أثار فضوله، ولذا سافر للقاء الأخوين في عام 1954.


هناك لاحظ راي تطبيق مبدأ الخدمة الذاتية من العملاء، وعدم وجود طاولات أو مقاعد للجلوس، وتركيز الأخوين على طهي وتجهيز وبيع الشطائر والساندويتشات وشرائح البطاطس والمشروبات الباردة بشكل سريع وتقديمها على أطباق ورقية، بطريقة تشبه كثيرا خط تصنيع وتجميع السيارات، وهي الفكرة التي اقتبسها الأخوان من هنري فورد الشهير مؤسس شركة فورد لتصنيع السيارات، لكن الأهم من كل ذلك، لاحظ راي كفاءة الإدارة التي جعلت هذه الخدمات تقدم بسرعة وبجودة مقبولة وفي زمن قليل، الأمر الذي لم يكن معتادا بكثرة وقتها، لقد شاهد راي شيئا لم يره من قبل، ووجده شيئا يحتاجه العالم كله.

 

 

بعض الشجاعة لكسر الملل

لشعوره بالملل من وظيفته ومن عمله، ولرغبة جارفة داخله لإدخال تغيير على حياته، ولاستغلال فرص التوسع التي لمحها في مطاعم الأخوين ماكدونالد، قرر راي أن يخطو الخطوة الجريئة. لم يكن راي في أفضل حالاته وقتها، حتى أنه على المستوى الصحي كان يعاني من مرض السكر / السكري واستأصل الأطباء مرارته وغدته الدرقية، وعانى من التهاب المفاصل، لكنه كان واثقا من أن مستقبله سيتغير للأفضل.

عرض راي على الأخوين ماكدونالد فكرته، فقد كان واثقا من نجاح فكرة توسعة نشاط سلسلة المطاعم لتغطي الولايات المتحدة كلها ومن بعدها العالم كله.

 حين سأله الأخوان ومن الشخص القادرة على إدارة توسعة نشاطهما بهذا القدر، أجابهما وماذا عني؟ كان الأخوان ماكدونالد قد وضعا أسس صناعة الطعام السريع، لكن نشر هذه الأسس كان بحاجة إلى شخصية فذة ساقاها القدر إليهما، وكان راي كروك لها، وهكذا حصل راي على الحقوق الحصرية من الأخوين.

الطريف أنه في هذا الوقت كان راي كروك قد تعرف على والت ديزني، وكان الأخير لا يزال يبني مدينة الأحلام ديزني لاند، وراسله راي طالبا منه السماح له بافتتاح مطاعم ماكدونالدز في مدينته الناشئة، لكن رسالته ذهبت دون رد، وعوضا عن شعوره بالمرارة، استمر راي في مخاطبة جميع الشركاء الذين بدوا الحل الأمثل لاستضافة مطاعم ماكدونالدز.

 

 

بداية الفرانشايز، بداية ماكدونالدز


في مارس 1955 أنشأ راي كروك شركة أنظمة ماكدونالدز، لتتحول إلى مؤسسة ماكدونالدز بعدها بخمس سنوات، وحصل على حق الفرنشايز Franchise (فرنشايز هو تعاقد تجاري بين طرفين، يعير علي أساسه الطرف الأول (مانح الامتياز) اسمه التجاري ونظام عمله للطرف الثاني المستفيد من التعاقد مقابل نسبة من المبيعات، ويحقق هذا النمط من التعاقد مزايا عديدة أكثر من التراخيص والتوكيلات التجارية التي يقتصر العمل فيها علي توزيع السلع التي أنتجتها الشركة الأم) وافتتح أول مطعم ماكدونالدز في ديس بلينس Des Plaines في أحياء مدينة شيكاجو في أبريل 1955 واستمر في التوسع حتى أصبحت سلسلة محلات ماكدونالدز تضم أكثر من 200 مطعم في عام 1960.


في بداية بيع الفرنشايز، كان راي يحصل على 1.9% من إجمالي مبيعات المطعم الذي يحمل اسم ماكدونالدز، يذهب نصفها إلى الأخوين ماكدونالد. في أول سنة، وجد راي أنه بالكاد يحصل على عائد يغطي مصاريفه.

 

 

الأرباح الكبيرة تأتي من العقارات

بعدها قابل راي العبقري المالي هاري سونينبورن، والذي أرشده إلى كيفية صنع الأرباح، ليس من بيع البرجر، بل الأراضي.
أسس راي شركة عقارية لبيع وتأجير الأراضي، تؤجر الأراضي لمن يريد الحصول على حق الفرنشايز من مطاعم ماكدونالدز، وكان على هؤلاء إما دفع الإيجار ، أو 1.9% من إجمالي المبيعات، أيهما أكبر.

 بعدها بدأت المشاكل تدب بين راي والأخوين ماكدونالد، إذ أراد الأول تغيير أشياء لم يوافق عليها الأخوان، ولذا في عام 1961 اشترى راي النشاط كله من الأخوين ماكدونالد مقابل 2.7 مليون دولار، وأصبح متحكما في جميع أوجه النشاط وإدارته.

كان راي كروك عنيفا مع المنافسين، ظهر ذلك واضحا من البداية حين رفض الأخوان ماكدونالد بيع محلهما الأول له (والذي كان يحمل اسم The Big M لأنهما باعا حقوق استغلال الاسم)، فما كان منه إلا وافتتح مطعما مقابلا لهم ونافسهم بقوة مميتة حتى اضطرا في النهاية لقبول عرضه بشراء مطعمهما.
عن ذلك يقول راي إنها الطريقة الأمريكية في المنافسة، حيث البقاء للأقوى و حسب. الجدير بالذكر أن راي وضع دليلا لطريقة عمل مطاعم ماكدونالدز، وضع فيها الوزن اللازم لكل شريحة برجر، ومقاس كل شريحة بطاطس، ومقدار الكاتشيب والماستردة وشرائح البصل المقدمة، وكيفية تنظيف المطعم.
 في عام 1961 كذلك افتتح راي مركز تدريب لطريقة إدارة مطاعم ماكدونالدز، ليصبح اسمه فيما بعد جامعة الهامبورجر والتي تعطي درجتها العلمية في علوم الهامبورجر والبطاطس الفرنسية!

 

المليار الأول

في عام 1963 بلغ عدد مطاعم ماكدونالدز أكثر من 500 مطعم، قدمت أكثر من مليار سندويتش / شطيرة، وبدأ المهرج الشهير رونالد ماكدونالد يروج لمحلات ماكدونالدز، في حملة تسويقية شاملة كاسحة ساحقة، بدأت بظهوره في إعلانات التليفزيون في عام 1965، حتى أنه وفي خلال ست سنوات من هذه الحملة التسويقية، كان 96% من أطفال أمريكا يعرفون هذا المهرج والمطعم الذي يروج له، أكثر من نسبة أولئك الذين كانوا يعرفون اسم الرئيس الأمريكي وقتها.

كذلك في عام 1965 طرح راي كروك أسهم الشركة في البورصة، لتكون أول شركة طعام سريع تطرح أسهمها في البورصة الأمريكية، الأمر الذي وفر له سيولة مالية كبيرة ساعدته على الاستمرار في التوسع والانتشار. كان سعر السهم حين طرحه لأول مرة 22 دولار، ليصل خلال أسابيع إلى 49 دولار.

في عام 1972 كانت نسبة محلات ماكدونالدز إلى عدد سكان الولايات المتحدة هي محل واحد لكل 90 ألف نسمة، لكن راي نقل مطاعمه إلى خارج أمريكا في هذا العام، بداية بانجلترا ونهاية بكل دول العالم تقريبا.
 (حين وجد راي أن نطق اسم ماكدونالدز صعبا في اليابان، وافق على استبداله باسم ماكودنالدو). بداية من عام 1968، عهد راي بغالبية مهامه اليومية إلى فريد تيرنر، وبدأ هو يراقب ويتابع طريقة عمل إمبراطوريته من بعيد وعن كثب، واستمر يبحث عن فرص استثمارية وتوسعية، وأخذ يسافر خارج أمريكا ليزور محلات ماكدونالدز حول العالم دون سابق إنذار.

في عام 1974 تقاعد راي كروك من إدارة الشركة، مع بقائه في مقاعد مجلس الإدارة، حتى مات في عام 1984 جراء فشل وقصور قلبه، عن عُمر ناهز 81 سنة. الجدير بالذكر هنا هو أن راي كان له مشاريع جانبية لم تنجح ولم نسمع عنها، لكن هذه الإخفاقات لم تقض عليه، بل جعلته يشعر بسعادة وتقدير أكبر لكل نجاح يحققه.


لم يخترع راي كروك ساندويتش الهامبورجر (لاحظ أن “هام” هنا هي اختصار لاسم مدينة هامبورج الألمانية، وليس لحم الخنزير، هذا الاعتقاد العام العربي ليس صحيحا)، لكنه أخذ هذا المبدأ ونشره في العالم كله. أخذ راي مطعما وصناعة تدر القليل، وتركها تدر البلايين والمليارات، عبر الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، وعبر التسويق على نطاق واسع جدا، وعبر تكريس حياته كلها لتحقيق ذلك الأمر.


لم يكن راي كروك مؤسس ماكدونالدز مهتما فقط بمجرد بيع حقوق الفرنشايز لصنع بعض الشطائر والبرجر، بل كان يحرص بشدة على تقديم مستوى خدمة مرتفع وتجربة تناول طعام مريحة وهادئة ومبهجة. كان راي يهتم بطريقة تنظيم كل مطعم، وبنظافة ساحة صف سيارات نزلاء المطعم، وبعدد قطع المخللات المقدمة، وأن يعمل في كل مطعم عاملون يقطنون قريبا منه، ليكونوا على دراية أفضل باحتياجات زوار المطعم، وأن يكون مستوى خدمة مطعم ماكدونالد في الشرق مساوية تماما لتلك المقدمة في أي مطعم آخر في الغرب.

 

الشاهد من القصة:

• عدم إكمال التعليم التقليدي ليس حكما نهائيا بفشل الفرد في بقية حياته، وحمل الشهادات الجامعية ليس شرطا للنجاح. شرط النجاح هو الرغبة الشديدة في النجاح، والبحث المستمر والدائم عن الفرص ما دام القلب ينبض.
•
قد يتأخر النجاح حتى بعد بلوغك الخمسين من عمرك، ما يهم هو أن تكون مستعدا له حين تأتي فرصته.
•
حين بدأ عمل راي في بيع آلات مزج المشروبات ينكمش، ساعده ذلك على ملاحظة مطاعم الأخوين ماكدونالد. عندما يحدث لك الشيء ذاته، ابحث عما تريدك السماء أن تعثر عليه واستغله. لا تلعن الظلام.
•
للنجاح شرطان: الأول أن تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، والثاني أن تستفيد من ذلك.

على الجانب:
•
في الصورة المرفقة كتبت مؤسس ماكدونالدز، وسيقول قائل، بل أسسها الأخوين، وأرد عليه: بل هما فقط وضعا الاسم، بينما راي هو من أخذ على عاتقه جعلها سلسلة محلات عالمية ناجحة، وهذا يمنحه عندي لقب المؤسس!





بقلم رؤوف شبابيك